X

أساطير تحدوا العطش.. ملحمة 1982: منتخب الكويت وكأس العالم في عز نهار رمضان

حلقة جديدة من سلسلة “أساطير تحدوا العطش” واليوم سنأخذكم في جولة في صيف عام 1982، توجهت أنظار ملايين العشاق نحو الملاعب الإسبانية التي احتضنت العرس الكروي الأكبر، ولكن بالنسبة للجماهير العربية، كانت القلوب معلقة بقمصان زرقاء تحمل أحلام أمة بأكملها.

لم تكن تلك مجرد مشاركة شرفية لمنتخب عربي وخليجي في كأس العالم للمرة الأولى، بل كانت إعلاناً صريحاً عن وصول “الموج الأزرق” الكويتي إلى قمة المجد الكروي، مسجلاً حضوراً تاريخياً لا يمكن أن تُمحى تفاصيله من ذاكرة الساحرة المستديرة.

ومع انطلاق صافرة البطولة، لم يكن التحدي الذي يواجه أبناء منتخب الكويت مقتصراً فقط على مقارعة أعتى وأشرس منتخبات الأرض، بل كان هناك اختبار استثنائي آخر بانتظارهم.

فقد تزامن هذا الحدث الرياضي العالمي الماراثوني مع حلول شهر رمضان المبارك، ليجد لاعبو “الجيل الذهبي” أنفسهم أمام ملحمة مزدوجة: مواجهة عمالقة الكرة الأوروبية من جهة، ومغالبة الجوع والعطش في نهار صيفي طويل وشديد الحرارة من جهة أخرى.

لقد كان هذا الجيل، المدجج بنجوم بحجم جاسم يعقوب، وفيصل الدخيل، وسعد الحوطي، وعبد العزيز العنبري، يمتلك عزيمة من حديد تفوق الوصف.

لم ينظر هؤلاء الأبطال إلى فريضة الصيام يوماً على أنها عائق أمام طموحاتهم الكروية، بل حولوها إلى وقود روحي يمد أقدامهم بطاقة خفية، في وقت كانت فيه قطرات العرق تتساقط كالمطر تحت شمس إسبانيا الحارقة، في مشهد أسطوري يجسد أسمى معاني التفاني والإخلاص للوطن والعقيدة.

تخيل أن تركض بلا توقف لتسعين دقيقة، وأنت تلاحق الكرة أمام منتخبات مدججة بالمحترفين ومستعدة بأحدث الأساليب البدنية، بينما معدتك خاوية وحلقك جاف تماماً من العطش.

وفي تلك الأيام الخوالي، حيث كانت التحضيرات الفنية تتشابك مع الترتيبات البدنية القاسية للصائمين، كان صمود لاعبي الكويت رسالة للعالم أجمع؛ رسالة مفادها أن الإرادة القوية قادرة على قهر المستحيل، وأن جفاف العروق لا يمكن أن يوقف زحف الأبطال نحو المجد.

اليوم، وبعد مرور عقود طويلة على تلك المشاركة اليتيمة والخالدة في آن واحد، لا تزال دفاتر التاريخ الرياضي تروي حكايات هؤلاء الأساطير الذين تحدوا قسوة الظروف الطبيعية والتنافسية.

وفي هذا التقرير، نعيد فتح صفحات تلك الملحمة الرمضانية الكروية، لنغوص في كواليس مشاركة منتخب الكويت في مونديال 1982، ونسترجع اللحظات الفارقة التي جعلت من هؤلاء الرجال أيقونات تُدرس في كتب التحدي والبطولة.

عطش البطولات يتفوق.. كيف صمد “الموج الأزرق” أمام إعصار أوروبا في نهار الصيام؟

لم تكن القرعة رحيمة برفاق الحارس الأسطوري أحمد الطرابلسي، فقد أوقعتهم في المجموعة الرابعة إلى جانب إنجلترا، وفرنسا، وتشيكوسلوفاكيا. وفي ظل درجات حرارة مرتفعة وصيام يمتد لساعات طويلة في أوروبا، دخل المنتخب الكويتي أرض الملعب بثقة لا تتزعزع.

في مباراتهم الافتتاحية ضد تشيكوسلوفاكيا، حبس الكويتيون أنفاس العالم عندما نجحوا في فرض التعادل الإيجابي (1-1) بهدف تاريخي بتوقيع “الملك” فيصل الدخيل.

كان اللاعبون يركضون برئة تتنفس حب الوطن، متحدين النقص الحاد في السوائل والإرهاق البدني المترتب على الصيام، ليثبتوا أن الروح القتالية قادرة على تعويض أي فوارق بدنية. ورغم الخسارة لاحقاً أمام إنجلترا بهدف يتيم، إلا أن الأداء البطولي والوقوف الند بالند أمام مهد كرة القدم في نهار رمضان، ظل محفوراً كدليل قاطع على صلابة هذا الجيل المذهل.

صافرة خادعة وتدخل تاريخي.. حين أوقف “الفهد” مباراة فرنسا للحظات تحبس الأنفاس

في وسط هذه الأجواء الرمضانية والبطولية، كانت مباراة الكويت ضد فرنسا مسرحاً للقطة لا تُنسى في تاريخ كؤوس العالم. عندما انطلقت صافرة قادمة من المدرجات، توقف لاعبو الكويت عن اللعب ظناً منهم أنها صافرة الحكم السوفيتي المثير للجدل، ليستغل الديوك الفرنسية الموقف ويسجلوا هدفاً.

هنا، وفي مشهد يعكس الغيرة على القميص ورفض الظلم، نزل الشهيد الشيخ فهد الأحمد الصباح، رئيس الاتحاد الكويتي لكرة القدم آنذاك، إلى أرض الملعب مرتدياً “الدشداشة والغترة والعقال”.

طالب فهد الأحمد لاعبيه بالانسحاب إذا لم يُلغَ الهدف غير الشرعي، وفي سابقة تاريخية فريدة، تراجع الحكم عن قراره وألغى الهدف، ليصنع الكويتيون حدثاً درامياً أثبتوا فيه أنهم حضروا إلى إسبانيا ليُحترموا، لا ليكونوا مجرد ضيوف شرف.

إرث لا يتبخر بشمس الصيف.. “جيل العمالقة” الذي حفر اسم الكويت في ذاكرة المونديال

انتهت رحلة الكويت في مونديال إسبانيا 1982 من الدور الأول، لكن الإرث الذي تركه هذا الجيل الذهبي لم ينتهِ، ولن يتبخر. لقد علموا الأجيال اللاحقة درساً في الانتماء؛ فأن ترفع علم بلادك في أكبر محفل رياضي عالمي وأنت صائم محتسب، تقارع أفضل لاعبي الأرض وتجبرهم على احترامك، هو الإنجاز الحقيقي.

هذا الجيل لم يكن يمتلك التكنولوجيا الرياضية الحديثة، ولا أخصائيي تغذية متفرغين لإدارة صيامهم، بل كانوا يمتلكون قلوباً تنبض بالشغف وأقداماً لا تعرف التراجع. وحتى يومنا هذا، كلما ذُكر كأس العالم، أو حل شهر رمضان تزامناً مع بطولات كبرى، تبرز قصة أبطال الكويت عام 1982 كأيقونة خالدة وملحمة تُروى بفخر.. ملحمة رجال تحدوا العطش، فارتووا من كأس المجد.

مقالات ذات صلة